الياس شوفاني
191
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
فانطلق للعمل بما أوتي من نشاط . وتحت غطاء الدعوة من قبل إمبراطور بيزنطة - رئيس الكنيسة الشرقية الرسمي - وبناء على المباركة ، بل التحريض ، من قبل البابا - رئيس الكنيسة الغربية ، الرسمي والفعلي - وجدت الفئات والقوى المتعددة في أوروبا التبرير الذاتي لانخراطها في الحملات الصليبية ، وكل منها بمنظوره الخاص ، فلم تكن هناك وحدة فكرية وتنظيمية بين تلك القوى ، إنما في أحسن الأحوال إطار عام . ولا بدّ من الإشارة إلى أن عملية الانتقال من الفكرة المجردة للقيام بحملات صليبية إلى التطبيق الفعلي ، كان يستلزم ظروفا موضوعية وذاتية في أوروبا . كما أن نجاح هذه العملية كان يستوجب الأوضاع ذاتها في الشرق ، وإلّا لما خرجت العملية إلى حيز التنفيذ . إن انتقال المواجهة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي من حالة الحرب الباردة إلى الحرب الساخنة ، كان بالضرورة نتيجة احتدام التناقض بين الطرفين ، الأمر الذي أدّى إلى اندلاع الصراع بهذه الدرجة من الحدة ، بعد أن ظل فترة طويلة لا يتعدى المناوشات على الأطراف . وبداية يجب التشديد على أهمية الدين في حياة الناس خلال القرون الوسطى . وكما سعى الإمبراطور البيزنطي لجعل المسيحية دين الدولة والقاسم المشترك بين شعوبها ، كذلك فعل العباسيون بالتشديد على أن الإسلام ، وليس العروبة ، هو الأساس لوحدة شعوب الخلافة . وعشية الحروب الصليبية ، كانت الأجواء العامة ، سواء في الشرق أو في الغرب ، مشحونة بالشعور الديني . فدخول السلاجقة إلى أرض الخلافة في القرن الحادي عشر ، عزز موقع السنّة إزاء الشيعة ، خلافا لما كان عليه الحال في القرن العاشر . في المقابل ، شهد القرن الحادي عشر في أوروبا حركة إحياء ديني واسعة النطاق ، وخصوصا بين الطبقات الشعبية ، شكّلت التربة الخصبة التي تنامت فيها الأفكار الصليبية . وعندما جاءت الدعوة إلى القيام بحملات عسكرية تحت راية الصليب ، كانت الاستجابة الشعبية واسعة أيضا . وفي الجانب الديني ، التقت المشاعر الشعبية العفوية مع خطة البابوات المبرمجة لاستعادة الكنيسة الشرقية إلى أحضان الكرسي الرسولي في روما . وقد أدّى رهبان دير كليني ( فرنسا ) دورا مهما في حركة الإحياء الديني ، إذ عمق هؤلاء الشعور الذاتي بالذنب لدى الناس ، في واقع اجتماعي صعب ، ساد فيه الإحباط قطاعات شعبية واسعة . وللتكفير عن خطاياهم ، دعا الرهبان الناس إلى الزهد والعزلة والأعمال الروحية والحج . وحتى اللاهوت والفلسفة في تلك الفترة اكتسبا طابعا صوفيا ، وازدهرت الرهبنة . أمّا البابوات ، فقد شعروا بقوتهم في القرن الحادي عشر ، وخصوصا أيام غريغوريوس السابع . وجاء بعده أربان الثاني ليدفع مسيرة تعزيز موقع